هنالك نوع من التعب لا يظهر على الوجه مباشرة، لكنه يسكن طريقة الكلام و سرعة الانفعال والرغبة المستمرة في الهروب إلى أي شيء يمنح الإنسان هدوءًا ولو لدقائق و هذا التعب غالبًا لا يأتي من العالم الخارجي بل من البيت نفسه، ومن الضغط اليومي المتكرر الذي يجعل الإنسان يعيش وكأنه في حالة استعداد دائم للدفاع عن نفسه أو لتحمل شيء جديد.
هنالك بعض الأشخاص لا يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، بل يعيشونها وهم يحملون همّ الجميع فوق أكتافهم، فيفكرون في المشاكل قبل وقوعهاو يقلقون على أدق التفاصيل، ويتحول عقلهم إلى غرفة مزدحمة لا تهدأ، ليس لأنهم يحبون التعقيد بل لأنهم اعتادوا أن يكونوا الشخص الذي يتحمل و يهدئ و يصبر ويتجاوز، ومع الوقت يصبح التعب جزءًا من شخصيتهم حتى لو حاولوا إنكار ذلك.
الضغط العائلي لا يكون دائمًا في شكل عنف واضح أو كلمات قاسية فقط، أحيانًا يكون في التراكمات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد مثل أن يتم التقليل من تعبك لأن غيرك يتعب أكثر أو أن تُطلب منك أشياء فوق طاقتك ثم تُلام حين تنهار، وأن تشعر أنك مطالَب بأن تكون قوي طوال الوقت بينما داخلك بالكاد يقف على قدميه، والأسوأ من ذلك كله أن يتم وصفك بالحساسية أو العصبية فقط لأنك وصلت لمرحلة لم يعد قلبك يتحمل فيها المزيد.
لذلك نجد بعض أشخاص يصبحون متوترين من أصغر الأمور مثل صوت الباب، أو من ارتفاع النبرة، أو من أي مشكلة صغيرة هذا لأن أجسادهم وعقولهم تعبت من العيش في حالة ضغط مستمرة فحتى الراحة تصبح غريبة عليهم، وكأنهم يشعرون بالذنب إذا جلسوا دون قلق أو مسؤولية، لهذا قد يتعلق الإنسان بأشياء بسيطة جدًا: بالسماء، بالهدوء، بفنجان شاي، بقطة تنام بجانبه، أو حتى بمشهد من كرتون أو فيلم قديم، ليس لأنها أشياء عظيمة أو ذات تأثير خارق ، بل لأنها تمنحه شعورًا نادرًا بالأمان.
والشخص الذي يعيش هذا النوع من الضغط غالبًا لا يريد الكثير من الحياة و لا يبحث عن رفاهية مبالغ فيها أو حياة مثالية، بل يريد مساحة يتنفس فيها دون خوف، دون لوم، دون شعور دائم بأنه مقصر، يريد شخصًا يسمعه دون أن يحوّل ألمه إلى دراما أو مبالغة، يريد بيتًا لا يشعر فيه أنه في معركة يومية مع أعصابه.
المؤلم فعلًا أن الإنسان مع الوقت يبدأ بالتشكيك في نفسه فيتساءل هل أنا فعلًا أبالغ؟ هل المشكلة مني؟ لماذا أتعب بسرعة؟ لماذا أصبحت عصبي؟ بينما الحقيقة أن الروح حين تتحمل فوق طاقتها لفترة طويلة تبدأ بإرسال إشارات واضحة بأنها مرهقة، لكن الناس لا يفهمون التعب النفسي إلا حين يتحول إلى انهيار واضح أمامهم والخطر الأكبر يكمن هنا عندما يعتاد الإنسان هذا الإنهاك حتى يظن أنه قدره المحتوم، فيستمر في التضحية بحدوده وصحته ليرضي من حوله، لكن التعافي يبدأ لحظة التي يتوقف فيها المرء عن التشكيك بذاته ويلتمس لنفسه العذر ليقول "لا" حين يرهق، وليقتنع تمامًا أن من حقه أن يستريح وأن يغضب، وأن يستعيد أمانه الداخلي دون أن يحمل ذنبًا لا يخصه.
وفور أن يسترد الإنسان هذا الحق، يبدأ ذلك الشعور القديم بالأمان في العودة فيصبح للهدوء طعمٌ مختلف وللسماء اتساعٌ يلامس الروح، وللأشياء البسيطة قوةٌ كافية لترمّم شيئًا مما انكسر وحينها فقط يتوقف المرء عن خوض حروب غيره، ويبدأ أخيراً في العيش لنفسه.


مقال رائع يهز شعوري ،عايز أضيف إنك تبدأ في دائرة مغلقة من التساؤلات هم الناس كلهم كدا؟
هي الحياة ليه صعبة؟
وفي الاخير مش بتوقف غير لما تعرف إن في أسئلة ملهاش أجابة او تأجل المعرفة دي ب مخدر زي الإدمان وغيره
سبحان الله وربي كأن المقال لي